التخطي إلى المحتوى

“حينما يتعلق الأمر بالكوارث الإنسانية لا يوجد مجال للمزاح” عبارة تلخص موقف الناشطين اليابانيين الذين أعطوا شركات الإنتاج والتوزيع السينمائية العالمية العملاقة درساً حاداً في كيفية التعامل مع مآسي الشعوب، وأيضاً في ضرورة التريث قبل الانسياق وراء “ميمز” (memes) السوشيال ميديا التي تبدو جاذبة ومضحكة وفيها لمحة ابتكار، ولكن هل هذا مبرر لتتبنى المؤسسات الكبرى خطابها بشكل رسمي؟
فإذا كانت صورة بطل “أوبنهايمر” الفيلم الذي يسرد بأسى سيرة مخترع القنبلة الذرية روبرت أوبنهايمر، هذا الاختراع الذي أدوى بحياة ما يقرب من ربع مليون شخص في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين قبل 78 عاماً، وهو يحمل بطلة فيلم “باربي” صاحبة الحياة الوردية وخلفهما مدينة مشتعلة في طريقها للتحول إلى حطام تام، تبدو تجسيداً حياً لمصطلح “باربينهايمر” (Barbenheimer) الذي أشعل الصيف السينمائي هذا العام، فإنها في النهاية من تصمم هواة يعبرون بطريقتهم عن تميز العملين واكتساحهما شباك التذاكر، لكن حينما تتناقلها وتعلق عليها حسابات رسمية تابعة لشركة “ورانر براذرز” (Warner Brothers)، موزعة الفيلم في الولايات المتحدة، البلد الذي ألقى القنبلتين في السادس والتاسع من أغسطس (آب) 1945 على اليابان، فإن الأمر هنا خرج عن إطار الهزل والسخرية المقبولة إلى تجاوز الخطوط الحمراء وعدم اللياقة، وهي التعبيرات التي استخدمها المعلقون الغاضبون حينما أطلقوا وسماً مضاداً لـ “باربينهايمر” وهو “لا باربينهايمر” (NoBarbenheimer)، داعين إلى وقف تداول هذا المصطلح. وعلى رغم أن لنشطاء اليابان تاريخ مع الحساسية من الأفلام والأغنيات وحتى خطوط الأزياء، لكن القضايا حينها حملت أخذاً ورداً وجدلاً، أما السير وراء الكوميكس الساخرة بشأن “باربينهايمر” فقد وصف بأنه استخفاف بتناول حادثة حزينة مثل القصف الذري الذي ترك وراءه أجيالاً من الضحايا وتخطت آثاره المدمرة ذوبان الأجساد إلى ندوب نفسية توارثتها العائلات، كما زاد التأثير عمقاً بسبب تزامن هذه الأزمة مع إحياء ذكرى الحادثة المؤلمة.

اليابانيون يأخذون بالثأر افتراضياً

وتصاعد الهاشتاغ المناوئ لظاهرة “باربينهايمر” في اليابان وانضم له مغردون من أنحاء العالم ممن اعتبروا غضبهم متفهماً للغاية، بخاصة بعد انتشار صور أخرى تظهر فيها مارغو روبي بطلة فيلم “باربي” الذي أخرجته غريتا غيروغ (Greta Gerwig)، بشعر مصفف على هيئة انفجار، وتقول إن حبيبها كين هو الذي ابتكر تلك التسريحة. ولم يتوقف الناشطون عن إعلان رفضهم التساهل مع تلك الأفكار، التي رغب أصحابها في إيضاح وجهة نظرهم في ما يتعلق بفيلمين من عالمين مختلفين تماماً أحدهما مأساوي والآخر مبهج وملون، ولكن الرافضين أيضاً كانت لديهم طريقتهم في الانتقام، حين قرروا المزاح بشأن أحدث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي أدوت بحياة ما يقرب من 3000 شخص في الولايات المتحدة إثر تفجيرات إرهابية دين بالتخطيط لها الزعيم السابق لتنظيم “القاعدة”، أسامة بن لادن، وكأنها منافسة حول من الأكثر قدرة على الاستخفاف بضحايا البلد الآخر، على رغم أن هذا بالضبط ما رفضه اليابانيون، ولكنهم استعملوا الطريقة ذاتها في الأخذ بالثأر “الافتراضي”، حين استبدلوا صورة كيليان مورفي بطل أوبنهايمر الذي أخرجه كريستوفر نولان، بصورة بن لادن يحمل باربي وخلفها أيضاً المدينة المدمرة.
ولكن بشكل عام كان هناك تعاطف مع الغضب الياباني، واعتبر طبيعياً للغاية لأن ذكرى مثل ذكرى إلقاء القنبلة الذرية وحصد الأرواح بطريقة تعذيب بسبب الإشعاع، عالقة في ذهن كل ياباني دفع ثمن رد الولايات المتحدة على رفض اليابان الاستسلام وتنفيذ بنود مؤتمر بوتسدام، كما أن عدداً من المدونين قالوا إنهم تربوا منذ الصغر على مشاهد الذعر في الإنمي (أعمال الرسوم المتحركة اليابانية) الحزين “جين حافي القدمين” (Barefoot Gen) وهو فيلم كارتون ياباني يصور لقطات غاية في الصعوبة لأناس تذوب أجسادهم ويفقدون صغارهم جراء القصف، فيما تدور حبكته الرئيسة حول إعادة الإعمار عقب التفجيرات من خلال شخصية البطل الذي عجز عن مساعدة أمه على الشفاء بعد أن طالتها آثار الإشعاع فيحاول مساعدة الأطفال الذين فقدوا ذويهم على الاستمرار وبدء حياة جديدة.

“باربينهايمر” تتحول إلى لعنة

حمى باربينهايمر لاحظها المتابعون بعد مرور نحو أسبوع على انطلاق عرض الفيلمين في 21 يوليو (تموز) الماضي، وبالفعل استغلت شركتا “يونيفيرسال”، موزعة اوبنهايمر، و”وارنر براذرز” هذا الوضع دعائياً، وكان له بالفعل أثر إيجابي للغاية كترويج مزدوج لفيلمين لا يجمع بينهما أي رابط فأحدها قاتم السواد ويحكي عن عقد الشعور بالذنب جراء ابتكار علمي تحول إلى نقطة سوداء في التاريخ على رغم أنه أيضاً مرتبط بقرب نهاية الحرب العالمية الثانية، والآخر يعيد الحياة إلى دمية لطالما كانت محط الأنظار بين الكبار والصغار نظراً لثرائها الفاحش وحياتها المرفهة، ولكن المبالغة على ما يبدو في الاحتفاء بتلك الظاهرة تحولت إلى لعنة أثارت الانتقادات الحادة التي كان من بينها ما جاء تحت الهاشتاغ الذي اكتسح موقع “إكس”، أن الأطفال الذين قتلوا جراء القصف الأميركي لم يتمكنوا من اقتناء دمى باربي التي انتشرت عالمياً في أوائل ستينيات القرن الماضي. اللافت أن أسلوب الدعاية الذي كان سلاحاً فعالاً في أيدي شركات الإنتاج والتوزيع، جاء الوقت لتقف الشركات نفسها في وجهه، في محاولة لامتصاص الغضب، إذ اعتذرت “وارنر براذرز” رسمياً وحرصت على أن تصف اعتذارها بالصادق، كما أبدت حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي في اليابان خيبة أملها حول مشاركة نظيرتها في الولايات المتحدة للميمز الفكاهية الحساسة التي تناولت باستخفاف كارثة لن تنسى في التاريخ العالمي، وبالطبع وقعها مضاعف بالنسبة إلى أهل البلد نفسه. وقالت “وارنر براذرز” في بيان منشور، “نحن نأخذ هذا الوضع على محمل الجد… نطلب من المقر الرئيس في الولايات المتحدة اتخاذ الإجراء المناسب، نعتذر لأولئك الذين أساءت إليهم سلسلة ردود الفعل المتهورة”، كما وصف البيان استعمال وسم “باربينهايمر” بتلك الطريقة المؤسفة.
على جانب آخر وقع عشرات الآلاف عريضةً تطالب بوقف استعمال هاشتاغ “باربنيهايمر” لإساءته لذكرى من فقدوا أرواحهم بسبب الدمار الذي خلفه استخدام القنبلة الذرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غموض حول مصير عرض الفيلمين

لكن التداعيات الأكثر سوءاً لم تؤكد رسمياً بعد، وتتعلق باحتمالية منع عرض الفيلمين في البلد الذي يقترب عدد سكانه من 130 مليوناً، وبلغت حصيلة عوائد السينما فيه في عام 2019 حوالى مليارين ونصف المليار دولار، بواقع حوالى 200 مليون تذكرة مباعة، وذلك وفقاً لاتحاد منتجي أفلام الرسوم المتحركة باليابان، إذ تتعالى المطالبات بين الناشطين باتخاذ إجراء عقابي لمنع عرض فيلم “أوبنهايمر” هناك، في ظل عدم تحديد موعد له بالفعل حتى قبل الأزمة. ومن المقرر عرض فيلم باربي في اليابان في 11 أغسطس (آب) الجاري، ولكن هذا القرار بات مشكوكاً فيه أيضاً، إذ ترددت الأقاويل أن صناع الفيلم سيدفعون الثمن بالتراجع عن قرار عرضه في صالات السينما هناك، وفي حال تمت الاستجابة إلى تلك الحملات فسيكون فيلم “باربي” قد قصف دون قصد نظيره اللدود أوبنهايمر للمرة الثانية، فقد تفوق عليه بإجمالي إيرادات تقدر بالضعف تقريباً، بخاصة وأن الفيلم الوردي حقق مبيعات وصلت إلى مليار دولار أميركي بينما وصلت عائدات أوبنهايمر إلى نصف مليار دولار، كما أنه في حال اتخاذ قرار بمنع عرضه في اليابان سيكون قد خسر سوقاً رئيسة ومهمة بسبب أزمة لا ناقة له فيها ولا جمل تتعلق بترويج شركة توزيع “باربي” لرسوم اعتبرها الناشطون الغاضبون مسيئة للغاية ومهينة لمشاعر الأجيال التي طالتها تداعيات مأساة هيروشيما وناغازاكي. وكان فيلم “باربي” قد منع بالفعل من العرض في فييتنام بسبب إظهاره خريطة تحمل موقعاً متنازعاً عليه بين فييتنام والصين، يعتمد وجهة النظر الصينية.

الغضب الياباني… مواقف سابقة

الهاشتاغ الذي يكتسح العالم، يزعج اليابانيين بشدة، مثلما كان عدد كبير منهم قد انتفض قبل أسابيع بعد عرض الملصق الدعائي لأغنية “كيبوب” لترافيس سكوت، وباد باني، وذا ويكند، إذ كان يحاكي في تصميمه ألوان وشكل علم البلاد، واعتُبر ذلك بمثابة سرقة ثقافية وتراثية، غير أن الملصق كان عبارة عن قطعة حلوة، وقبل أربعة أعوام كان هناك غضب عارم واتهامات بالإساءة طالت نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان من قبل نشطاء يابانيين أيضاً، وذلك بعد إطلاقها خط ملابس يطلق عليه اسم “كيمونو” وهو اسم الزي التقليدي في البلاد، بالتالي اتهمت بسرقة تراثهم وتاريخهم، فيما وصفت أنجلينا جولي من قبل مسؤولين في اليابان بأنها “شيطانة”، وذلك عقب طرحها فيلماً في عام 2014 من إخراجها يحمل عنوان “غير قابل للكسر” (Unbroken) يتناول حياة العداء الأميركي لويس زامبريني، الذي شارك في الحرب ضد اليابان عام 1942، ولكنه أسر لمدة عامين من قبل البحرية اليابانية إثر تحطم طائرته في المحيط الهادئ، وصور الفيلم تعرضه لأصناف تعذيب غاية في العنف والسادية على يد الجنود، مما أثار حفيظة عدد من السياسيين ورؤساء الأحزاب هناك وطالبوا بمنع أنجلينا جولي من دخول بلادهم زاعمين أنها قامت بفبركة وتزييف تفاصيل كل تلك الوقائع.

Scan the code